الغزالي

74

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

الخطّاب رضي اللّه عنه . والفضل في ذلك الزمان للوقت والرعية مشغولون ، ولو عوملوا بتلك المعاملة لم يتحمّلوا ولبدا فيهم الفساد . لكن ينبغي للسلطان في هذا الوقت أن يكون له أتمّ سياسة وهيبة ليشتغل كل إنسان بشغله ويأمن الناس بعضهم من بعض . ونحن الآن نورد خبرا يستفيد به القارئ والسامع : سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه : لأي شيء لا تنفع الموعظة هؤلاء الخلق ؟ فقال : الخبر المعروف أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لمّا أوصى عند وفاته أشار بأصابعه الثلاث وقال : « لا تسألوني عن حال أولئك » فقال قوم من الصحابة : أشار إلى ثلاثة أشهر ، وقال قوم : إلى ثلاث سنين ، وقال قوم : إلى ثلاثين سنة ، وقال قوم : ثلاثمائة سنة ؛ يعني إذا مضت ثلاثمائة سنة فلا تسألوني عن حال أولئك الرجال . فإذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لا تسألوني عن حال أولئك فكيف ينفع الوعظ فيهم ؟ وسئل عن هذا السؤال فقال : كان الناس في ذلك الوقت نياما ، وكان العلماء أيقاظا ؛ واليوم العلماء نيام ، والخلق موتى ، فأي نفع الكلام النائم مع الميت ؟ أمّا زماننا هذا فهو الزمان الذي هلك فيه الخلائق جميعهم ، وقد خبثت أعمال الناس ونياتهم ؛ وإذا لم يكن فيه للسلطان سياسة على الخلائق ولا هيبة لم يثبتوا على الطاعة والصلاح . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « العدل من الدين » « 1 » وفيه صلاح السلطان وقوة الخاص والعام وفيه يكون خير الرعية وأمنهم وعافيتهم وكل الأعمال توزن بميزان العدل . قال اللّه تعالى : وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ [ الرحمن : 7 ] يعني به العدل . وقال عزّ وجلّ في موضع آخر : الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ [ الشورى : 17 ] وأحق الناس بالجاه والمملكة من كان في قلبه مكان للعدل ، وبيته مقرّ ذوي الدين والفضل ، ورأيه من أرباب الدين العقل ، وصحبته مع العقلاء ، ومشورته مع ذوي الآراء ؛ كما قال الشاعر : يده خزانة جوده * والقلب خازن قصده قد رتبت أبوابه * أبدا لطالب عدله قال الحسن البصري : كل ملك عظّم أمر الدين كان عند رعيته مهيبا عظيم القدر والأمر ، ومن عرف اللّه تعالى تعرف الخلق به واختاروا أن يكونوا معارفه ، كما قال الشاعر : من عرف اللّه تعالى اسمه * آثر كل الخلق عرفانه

--> ( 1 ) تقدمت أحاديث عن العدل ص 20 .